أجيب: بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني منعماً جواداً ، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه وقوله تعالى:
{إن يشأ يذهبكم} أي: جميعاً بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة ؛ لأن قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم} أي: ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إن شاء فلان هدم داره ، وإنما يقال: لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها ، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله تعالى: {ويأت بخلق جديد} أي: إن كان يتوهم متوهم أن بهذا الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل ، وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً.
{وما ذلك} أي: الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان {على الله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال خاصة {بعزيز} أي: بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد ، فإن قيل: استعمل تعالى العزيز تارة في القائم بنفسه فقال تعالى في حق نفسه {وكان الله قوياً عزيزاً} (الأحزاب: (
وقال في هذه السورة {عزيز غفور} (فاطر: (
واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى {وما ذلك على الله بعزيز} وقال تعالى {عزيز عليه ما عنتم} (التوبة: (
فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ؟
أجيب: بأن العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال: هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى {وما ذلك على الله بعزيز} أي: ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هيّن على الله تعالى وقوله سبحانه {عزيز عليه ما عنتم} أي: يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب.