وقرأ الجمهور: بنصب الجلالة ورفع العلماء، وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين: برفع الجلالة ونصب العلماء على أن الخشية استعارة للتعظيم، فإن المعظَّم يكون مهيبًا، فالمعنى عليه: إنما يعظم الله سبحانه من بين جميع عباده العلماء، كما يعظِّم المهيب المخشي من الرجال بين الناس، وهذه القراءة - وإن كانت شاذة - لكنها مفيدة جدًّا، وجعل عبد الله بن عمر الخشية بمعنى الاختيار؛ أي: إنما يختار الله من بين عباده العلماء، وعلى كل من القراءتين في هذه الآية للعلماء منقبة عظيمة وخصلة حميدة.
والمعنى: أي إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العالمون بعظيم قدرته على ما يشاء من الأشياء، وأنه يفعل ما يريد؛ لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته، فخافه ورهبه خشية أن يعاقبه، وقد أثر عن ابن عباس أنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئًا، وأحلّ حلاله وحرَّم حرامه وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغِب فيما رغَّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الآية.
وعن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فخطب فحمد الله، ثم قال:"ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية"أخرجه البخاري ومسلم. ثم بيَّن سبب خشيتهم منه فقال: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَزِيزٌ} في انتقامه ممن كفر به {غَفُورٌ} لذنوب من آمن به وأطاعه، فهو قادر على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، ومن حق المعاقب والمثيب أن يخشى.