ولما قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} . وعدَّد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه، وعلى صفاته .. أتبع ذلك بقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} سبحانه ويخافه {مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} به الذين علموه بصفاته، فعظموه؛ إذ شرط الخشية معرفة المخشي، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إني أخشاكم لله وأتقاكم له"، وفي آخر:"أعلمكم بالله أشدكم له خشية"، ومن كان علمه به أقل كان آمن، ولهذا أتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته، وهو كلام مستأنف.
وفي"الإرشاد": هو تتمة لقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} بتعيين من يخشاه من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم على معنى: إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة، وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشية، وهم العلماء به وبعظيم قدرته، قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا، وكفي بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله .. فليس بعالم. وقال الشعبي: العالم من خاف الله وتقديم المخشي وهو المفعول للاختصاص وحصر الفاعلية؛ أي: لا يخشى الله من بين عباده إلا العلماء، ولو أخر لانعكس الأمر، وصار المعنى: لا يخشون إلا الله، وبينهما تغاير، ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء دون غيرهم، وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله دون غيره.