فَإِنْ قُلْتَ: إذا كان الغربيب تأكيدًا للأسود، كالفاقع مثلًا للأصفر .. ينبغي أن يقال: وسود غرابيب بتقديم السود؛ إذ من حق التأكيد أن يتبع المؤكد، ولا يتقدم عليه؟
قلت: الغرابيب: تأكيد لمضمر يفسِّره ما بعده، والتقدير: سود غرابيب سود، فالتأكيد إذًا متأخر عن المؤكد، وفي الإضمار، ثم الإظهار مزيد تأكيد لما فيه من التكرار، وهذا أصوب من كون السود بدلًا من الغرابيب، كما ذهب إليه الأكثر حتى صاحب"القاموس"، كما قال: وأما غرابيب سود .. فبدل؛ لأن تأكيد الألوان لا يتقدم.
وقيل هو على التقديم والتأخير؛ أي: سود غرابيب.
28 - {وَمِنَ النَّاسِ} ؛ أي: ومن بني آدم {وَالدَّوَابِّ} جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض من الحيوان، {وَالْأَنْعَامِ} : جمع نعم محركة، وقد يسكن عينه: الإبل والبقر والضأن والمعز دون غيرها من الدواب، وقوله: {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} صفة لموصوف محذوف؛ أي: ومن هذه المذكورات صنف أو نوع أو بعض مختلف ألوانه، كاختلاف ألوان الثمرات والجبال بأن يكون أبيض وأحمر وأسود وأخضر وأصفر، ولم يقل هنا ألوانها؛ لأن الضمير يعود إلى البعض الدال عليه من التبعيضية في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ} ، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى وبديع صنعه.
وقرأ الجمهور: {وَالدَّوَابِّ} مشدد الباء، والزهري بتخفيفها؛ كراهية التضعيف؛ إذ فيه التقاء الساكنين، كما همز بعضهم {وَلَا الضَّالِّينَ} فرارًا من التقاء الساكنين، فحذف هنا آخر المضعفين، وحرّك أول الساكنين، وقرأ ابن السميفع: {ألوانها} . وقوله: {كَذَلِكَ} تمّ الكلام عليه، وهو وصف لمصدر محذوف مؤكّد تشبيهي، تقديره: مختلف ألوانه اختلافًا كائنًا كذلك؛ أي: كاختلاف الثمار والجبال.