وأبدأ بما لم يتمكنوا من رده لقطعية ثبوته ، ككتاب الله ، فعمدوا إلى العبث في معناه حتى يتلاءم مع عقولهم القاصرة ، أو منهاجهم العلمية المادية التي تأثروا فيها بمناهج الغرب المادية التي لا تؤمن بالله.
فزعم أحدهم أن قوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ {البقرة / 60} زعم أنه ليس في هذا معجزة خارقة للعادة ، وإنما هو أمر جار على قوانين الطبيعة والمادة ، وأن موسى عليه السلام كان يملك آلة حفر الآبار ، وأن قوله تعالى: اضْرِب بِّعَصَاكَ الحجر {البقرة / 60} . أي احفر بآلتك الأرض ، فالعصا كناية عن آلة الحفر ، والحجر كناية عن الأرض .
فما عمله موسى لم يكن سوى عملية حفر لبئر في الأرض ، يشرب منها أسباط بني إسرائيل.
وهكذا عمل في كل معجزة من معجزات الأنبياء المادية ، وشحن بمثل هذه الأباطيل تفسيره.
وزعم آخر قوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} زعم أن الطيور عبارة عن الميكروبات حملت إليهم الطاعون ، أو البعوض حمل إليهم الحُمَّيات الخبيثة ، أو ميكروبات الجُدَرِي ، واستدل على ذلك بجيش نابليون الأول ، لما حاصر عكا ، ولبث أمامها أشَهراً ، حتى أصاب جيشَهُ الطاعونُ ، فرجع عنها .
والأمثلة على هذا كثيرة في هذا العصر ، وكلها تنزع من معين واحد ، ألا وهو مجارات العقل المادي الذي لا يؤمن بالغيب .
وكأنهم بعملهم هذا يستكبرون على الله إجراء المعجزات ، مما يتنافى مع أبسط مبادئ الإيمان بالله ، ومما يُلزمُ الضلالَ والانحراف إن لم نقل الكفرَ والإلحاد.
وأما بالنسبة للسنَّة فأمرها أهون عندهم من أمر القرآن ، وذلك بردها مباشرة ، مما يغنيهم عن الخوض في معانيها على نحو ما خاضوا به في القرآن.