لم يقف أمر التفيهق في هذا العصر عند حد الاجتهادات الخاطئة في نصوص الشريعة ، بالجهل المطبق بقواعد الاجتهاد والاستنباط ، على نحو ما ذكرنا ، وإنما تعداها إلى حد آخر ، يعتبر أشد خطراً ، وأكبر أثراً ، وأعظم ضرراً ، ألا وهو إخضاع نصوص الشريعة لحكم العقل ، دون اعتبار لقوانين الشريعة وقواعدها.
ما رضيه العقل ، وقنع به ، وأقره ، صار معتبراً مقبولاً ، وما رفضه لعدم القناعة به ، صار مردوداً مرفوضاً ، واتخذا هذا المنهج من التفيهق اسم التجديد .
ويلزم من هذا أن الحاكم أولاً وأخيرا هو العقل ، وليس الشرعَ ، فيجب عرض الشرع على العقل ، فما أقره العقل ، قُبل ، وما رفضه ، رُفضَ ، ورفضه يكون بأمرين ، إما برده إن كان لرده مجال ، كأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مهما بلغت من الصحة ، وإما بالعبث في معناه حتى يصير على مراد العقل ، ولو مؤقتا ، ريثما يحين الوقت لرده عن طريق التشكيك فيه ، على ما جرت عليه الخطط المرسومة من قبل المتربصين بهذا الدين منذ حين ، وذلك كبعض آيات القرآن الكريم.
وبناء على هذا عبث بالكثير من نصوص الشريعة ، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لعدم إمكانية هضمها في عقل من ردها وأدى هذا الأمر إلى إنكار المعجزات ، لأنها من أصعب وأبعد ما يمكن للعقل الذي طمْ يشاهدها أن يؤمن بها .
وهذا هو الطريق الأمثل لإنكار الوحي ، لأنه من أبلغ المعجزات ، وأبعدها عن تصورات العقل المادي الذي لم يؤمن بالله .
وإني سأعرض لنماذج من عبث أدعياء التجديد ، يتبين من خلالها مدى ما صارت إليه الفوضى العلمية في دين الله ، بسبب غياب الضوابط السليمة ، والقواعد الصحيحة ، التي كانت تحكم اجتهادات العلماء ، عند نظرهم في نصوص الشرع ، واستنباطهم منها .