فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 370302 من 466147

ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة، وهو أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك. لم تساكنها بالقلب، ونبتْ عنها بالعزم، ورأت أقرب الأشياء شبهاً بها. مزبلة عليها الكلاب، أو غائطاً يؤتى لضرورة.

فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار. لم يكن للقلب بها متعلق متمكن فتهون حينئذ.

(فصل روحوا القلوب تعي الذكر)

ما زال جماعة من المتزهدين يزرون على كثير من العلماء إذا انبسطوا في مباحات. والذي يحملهم على هذا الجهل. فلو كان عندهم فضل علم ما عابوهم.

وهذا لأن الطباع لا تتساوى، فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو.

غير أن لنا ضابطاً هو الشرع، فيه الرخصة وفيه العزيمة. فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط.

ورُب رخصة كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها.

ولو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة بالله تعالى. فتنبت القلوب من خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه فوجب التلطف حفظاً لقوة الراحلة.

ولأن آلة العلم والحفظ. القلب والفكر، فإذا رفهت الآلة جاد العمل، وهذا أمر لا يعلم إلا بالعلم.

فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا. وظنوا أن المراد إتعاب الأبدان، وإنضاء الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومة، كما قال القائل. روحوا القلوب تعي الذكر.

(فصل)

ليس في الوجود شيء أشرف من العلم، كيف لا وهو الدليل. فإذا عدم وقع الضلال.

وإن من خفي مكائد الشيطان أن يزين في نفس الإنسان التعبد ليشغله عن أفضل التعبد

وهو العلم، حتى أنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم ورموها في البحر.

وهذا قد ورد عن جماعة. وأحسن ظني بهم أن أقول: كان فيها شيء من رأيهم وكلامهم فما أحبوا انتشاره.

وإلا فمتى كان فيها علم مفيد صحيح لا يخاف عواقبه، كان رميها إضافة للمال لا يحل وقد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة حتى منعوا من حمل المحابر تلامذتهم.

وحتى قال جعفر الخلدي: لو تركني الصوفية جئتكم بإسناد الدنيا، كتبت مجلساً عن أبي العباس الدوري فلقيني بعض الصوفية فقال: دع علم الورق، وعليك بعلم الخرق.

ورأيت محبرة مع بعض الصوفية. فقال له صوفي آخر: استر عورتك!

وقد أنشدوا للشبلي:

إذا طالبوني بعلم الورق ... برزت عليهم بعلم الخرق

وهذا من خفي حيل إبليس، {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} ، وإنما فعل وزينه عندهم لسببين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت