ونيط الانتفاع بهذه الآيات بأصحاب صفة العقل لأن العقل المستقيم غير المشوب بعاهة العناد والمكابرة كاففٍ في فهم ما في تلك المذكورات من الدلائل والحكم على نحو ما قرر في نظائره آنفاً.
وإجراء {يعقلون} على لفظ {قوم} للإيماء إلى ما تقدم ذكره آنفاً في مثله.
ومعنى اللام في قوله {لقوم يعقلون} مثل معنى أختها في قوله {لقوم يتفكرون} [الروم: 21] .
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
ختمت الآيات بهذه الآية السادسة وهي التي دلت على عظيم القدرة على حفظ نظام المخلوقات العظيمة بعد خلقها ؛ فخلقُ السماوات والأرض آيةٌ مستقلة تقدمت ، وبقاء نظامهما على ممر القرون آية أخرى.
وموقع العبرة من هاته الآية هو أولها وهو أن تقوم السماء والأرض هذا القيام المتقن بأمر الله دون غيره.
فمعنى القيام هنا: البقاء الكامل الذي يشبه بقاء القائم غير المضطجع وغير القاعد من قولهم: قامت السوق ، إذا عظم فيها البيع والشراء.
وهذا هو المعبر عنه في قوله تعالى {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41] وقوله {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] .
والأمر المضاف إلى الله هو أمره التكويني وهو مجموع ما وضعه الله من نظام العالم العلوي والسفلي ، ذلك النظامَ الحارس لهما من تطرق الاختلال بإيجاد ذلك النظام.
و {بأمره} متعلق بفعل {تقوم ،} والباء للسببية.
و {ثم} عاطفة الجملة على الجملة.
والمقصود من الجملة المعطوفة الاحتراس عما قد يتوهم من قوله {أن تقوم السماء والأرض بأمره} من أبدية وجود السماوات والأرض ، فأفادت الجملة أن هذا النظام الأرضي يعتوره الاختلال إذا أراد الله انقضاء العالم الأرضي وإحضار الخلق إلى الحشر تسجيلاً على المشركين بإثبات البعث.