فمضمون جملة {إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} ليس من تمام هذه الآية السادسة ولكنه تكملة وإدماج موجه إلى منكري البعث.
وفي متعلق المجرور في قوله {مِنَ الأرْض} اضطراب ؛ فالذي ذهب إليه صاحب"الكشاف"أنه متعلق بـ {دعاكم} لأن {دعاكم} لما اشتمل على فاعل ومفعول فالمتعلق بالفعل يجوز أن يكون من شؤون الفاعل ويجوز أن يكون من شؤون المفعول على حسب القرينة ، كما تقول: دعوت فلاناً من أعلى الجبل فنزل إليّ ، أي دعوته وهو في أعلى الجبل.
وهذا الاستعمال خلاف الغالب ولكن دلت عليه القرينة مع التفصي من أن يكون المجرور متعلقاً بـ {تخرجون} لأن ما بعد حرف المفاجأة لا يعمل فيما قبلها ، على أن في هذا المنع نظراً.
ولا يجوز تعليقه بـ {دعوة} لعدم اشتمال المصدر على فاعل ومفعول ، وهو وجيه وكفاك بذوق قائله.
وأقول: قريب منه قوله تعالى {أولئك يُنادَوْن من مكان بعيد} [فصلت: 44] .
و {مِن} لابتداء المكان ، والمجرور ظرف لغو.
ويجوز أن يكون المجرور حالاً من ضمير النصب في {دَعَاكم} فهو ظرف مستقر.
ويجوز أن يكون {من الأرض} متعلقاً بـ {تخرجون} قدم عليه.
وهذا ذكر في"مغني اللبيب"أنه حكاه عنهم أبو حاتم في كتاب"الوقف"، وهذا أحسن وأبعد عن التكلف ، وعليه فتقديم المجرور للاهتمام تعريضاً بخطئهم إذ أحالوا أن يكون لهم خروج من الأرض عن بعد صيرورتهم فيها في قولهم المحكي عنهم بقوله تعالى {وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} [السجدة: 10] وقولهم
{أإذا كنّا تُراباً وءاباؤنا أئنّا لمخرجون} [النمل: 67] .
وأما قضية تقديم المعمول على {إذا} الفجائية فإذا سلم عدم جوازه فإن التوسع في المجرور والمظروف من حديث البحر ، فمن العجب كيف سدّ باب التوسع فيه صاحب"مغني اللبيب"في الجهة الثانية من الباب الخامس.