قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، جعل كل عمل معبراُ عنه باجتراح الأيدي ، وتقديم الأيدي ، وإن كان من أعمال القلوب . وهذا من الاتساع في الكلام ، وتصيير الأقل تابعاً للأكثر ، وتغليب الأكثر على الأقل: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} أي: من قلب العصا حية ، وفلق البحر ، وغيرهما من الآيات . تعنتاً وعناداً ، كما قالوا: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12] ، وما أشبه ذلك . وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} رد عليهم ، وإظهار لكون ما قالوه تعنتاً محضاً ، لا طلباً لما يرشدهم إلى الحق . أي: أو لم يكفر أبناء جنسهم ، ومَنْ مذهبهم مذهبهم ، وعنادهم عنادهم وهم القبط ، بما أوتي موسى من الكتاب: {قَالُوا} أي: في موسى وهارون عليهما السلام ساحران: {تَظَاهَرَا} أي: تعاونا . وقرئ: {سِحْرَانِ} أي: ذوا سحرين ؛ أو جعلوهما سحرين مبالغة: {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} ثم أشار تعالى إلى أن الآية العظمى للنبيّ صلوات الله عليه ، هي الآيات النفسية العلمية ، لا الكونية الآفاقية التي كانت لغيره ، جرياً على سنة الارتقاء . فإن النوع الإنساني كان ، لما جاء الإسلام قد استعد إلى معرفة الحق من الباطل بالبرهان ، والتمييز بين الخير والشر بالدليل والحجة . وكان لا بد له في هذا الطور من معلّم ومرشد ، كما في الأطوار الأخرى ، أرسل الله إليه رسولاً يهديه إلى طرق النظر والاستدلال ، ويأمره بأن يرفض التقليد البحت والتسليم الأعمى . وأن لا يأخذ شيئاً إلا بدليل وبرهان ، يوصل إلى العلم . فكانت عمدته صلى الله عليه وسلم في الاستدلال على نبوّته ورسالته نفسه الكريمة ، ما جاء به من النور والهدى ، كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب ، بما يبديه من العلم