فإن الله يحسن عاقبة أهل الهدى لا محالة . لأنه يعلم من تكون له عاقبة الدار . وهي العاقبة المحمودة . والمراد بالدار: الدنيا . وعاقبتها وعقباها: أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان . وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت . وهذه لا تكون للساحر إذا ادعى النبوة ، لأنه ظالم ، فلا يفلح بالعاقبة الحميدة كما قال: {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي: بالدار وإن وجدوا بعض مقاصدهم أولاً استدراجاً ، فلا يفوزون بالعقبى الحميدة . وإنما غاية أمرهم انقطاع أثرهم وسوء ذكرهم . وقد حقق الله هذا الوعد فجعل عاقبة قوم موسى رفيعة . ونهاية أعدائه وضيعة: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} هذا حكاية لتمرده وعتوّه وطغيانه في تفوهه بتلك العظيمة . كما واجه موسى عليه السلام بها في قوله: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [29] ، وكما قال تعالى عنه: {فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 23 - 26] ، يعني أنه جمع قومه ونادى فيهم معلناً بذلك . فانتقم منه بما جعله عبرة لمن اعتبر: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} أي: ناراً ، فأتخذ منه آجرّاً .
قال الزمخشري: ولم يقل: اطبخ لي الآجرّ واتخذه , لأن هذه العبارة أحسن طباقاً لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته ، وأشبه بكلام الجبابرة . وهامان وزيره ومدبّر رعيته: {فَاجْعَلْ لِي} أي: من الآجرّ: {صَرْحاً} أي: قصراً رفيعاً إلى السماء: {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} يعني العليّ الأعلى ، تبارك وتعالى: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي: في دعواه الألوهية ، والعلوّ لباري الأرض والسماوات .