ومر يوم وأصبح في المدينة خائفاً من انكشاف أمره ، يترقب الافتضاح والأذى. ولفظ {يترقب} يصور هيئة القلق الذي يتلفت ويتوجس ، ويتوقع الشر في كل لحظة.. وهي سمة الشخصية الانفعالية تبدو في هذا الموقف كذلك. والتعبير يجسم هيئة الخوف والقلق بهذا اللفظ ، كما أنه يضخمها بكلمتي {في المدينة} فالمدينة عادة موطن الأمن والطمأنينة ، فإذا كان خائفاً يترقب في المدينة ، فأعظم الخوف ما كان في مأمن ومستقر!
وحالة موسى هذه تلهم أنه لم يكن في هذا الوقت من رجال القصر. وإلا فما أرخص أن يزهق أحد رجال القصر نفساً في عهود الظلم والطغيان! وما كان ليخشى شيئاً فضلاً على أن يصبح {خائفاً يترقب} لو أنه كان ما يزال في مكانه من قلب فرعون وقصره.
وبينما هو في هذا القلق والتوجس إذا هو يطلع: {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} !
إنه صاحبه الإسرائيلي الذي طلب بالأمس نصرته على القبطي. إنه هو مشتبكاً مع قبطي آخر ؛ وهو يستصرخ موسى لينصره ؛ ولعله يريد منه أن يقضي على عدوهما المشترك بوكزة أخرى!
ولكن صورة قتيل الأمس كانت ما تزال تخايل لموسى. وإلى جوارها ندمه واستغفاره وعهده مع ربه. ثم هذا التوجس الذي يتوقع معه في كل لحظة أن يلحقه الأذى. فإذا هو ينفعل على هذا الذي يستصرخه ، ويصفه بالغواية والضلال:
{قال له موسى: إنك لغوي مبين} ..
غوي بعراكه هذا الذي لا ينتهي واشتباكاته التي لا تثمر إلا أن تثير الثائرة على بني إسرائيل. وهم عن الثورة الكاملة عاجزون ، وعن الحركة المثمرة ضعفاء. فلا قيمة لمثل هذه الاشتباكات التي تضر ولا تفيد.