وقد كان أحدهما قبطياً يقال إنه من حاشية فرعون ، ويقال إنه طباخ القصر. والآخر إسرائيلي. وكانا يقتتلان. فاستغاث الإسرائيلي بموسى مستنجداً به على عدوهما القبطي. فكيف وقع هذا؟ كيف استغاث الإسرائيلي بموسى ربيب فرعون على رجل من رجال فرعون؟ إن هذا لا يقع إذا كان موسى لا يزال في القصر ، متبنى ، أو من الحاشية.
إنما يقع إذا كان الإسرائيلي على ثقة من أن موسى لم يعد متصلاً بالقصر ، وأنه قد عرف أنه من بني إسرائيل. وأنه ناقم على الملك والحاشية ، منتصر لقومه المضطهدين. وهذا هو الأنسب لمن في مقام موسى عليه السلام فإنه بعيد الاحتمال أن تطيق نفسه البقاء في مستنقع الشر والفساد..
{فوكزه موسى فقضى عليه} ..
والوكز الضرب بجمع اليد. والمفهوم من التعبير أنها وكزة واحدة كان فيها حتف القبطي. مما يشي بقوة موسى وفتوته ، ويصور كذلك انفعاله وغضبه ؛ ويعبر عما كان يخالجه من الضيق بفرعون ومن يتصل به.
ولكن يبدو من السياق أنه لم يكن يقصد قتل القبطي ، ولم يعمد إلى القضاء عليه. فما كاد يراه جثة هامدة بين يديه حتى استرجع وندم على فعلته ، وعزاها إلى الشيطان وغوايته ؛ فقد كانت من الغضب ، والغضب شيطان ، أو نفخ من الشيطان:
{قال: هذا من عمل الشيطان. إنه عدو مضل مبين} ..
ثم استطرد في فزع مما دفعه إليه الغضب ، يعترف بظلمه لنفسه أن حملها هذا الوزر ، ويتوجه إلى ربه ، طالباً مغفرته وعفوه:
{قال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} ..
واستجاب الله إلى ضراعته ، وحساسيته ، واستغفاره:
{فغفر له. إنه هو الغفور الرحيم} ..