وبلوغ الأشد اكتمال القوى الجسمية. والاستواء اكتمال النضوج العضوي والعقلي. وهو يكون عادة حوالي سن الثلاثين. فهل ظل موسى في قصر فرعون ، ربيباً ومتبنى لفرعون وزوجه حتى بلغ هذه السن؟ أم إنه افترق عنهما ، واعتزل القصر ، ولم تسترح نفسه للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة كنفس موسى عليه السلام ؟ وبخاصة أن أمه لا بد أن تكون قد عرّفته من هو ومن قومه وما ديانته.
وهو يرى كيف يسام قومه الخسف البشع والظلم الشنيع ، والبغي اللئيم ؛ وهو يرى أبشع صورة للفساد الشائع الأثيم.
ليس لدينا من دليل. ولكن سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئاً من هذا كما سيجيء ؛ والتعقيب على إتيانه الحكمة والعلم: {وكذلك نجزي المحسنين} يشي كذلك بأنه أحسن فأحسن الله إليه بالحكمة والعلم:
{ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ، فوجد فيها رجلين يقتتلان: هذا من شيعته وهذا من عدوه ؛ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ؛ فوكزه موسى فقضى عليه. قال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين. قال: رب إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي ، فغفر له ، إنه هو الغفور الرحيم. قال: رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ..
ودخل المدينة.. والمفهوم أنها العاصمة وقتئذ.. فمن أي مكان جاء فدخلها؟ وهل كان من القصر في عين شمس؟ أم إنه كان قد اعتزل القصر والعاصمة ، ثم دخل إليها على حين غفلة من أهلها ، في وقت الظهيرة مثلاً حين تغفو العيون؟
لقد دخل المدينة على كل حال {فوجد فيها رجلين يقتتلان. هذا من شيعته وهذا من عدوه. فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} ..