واختلف فِي الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأرْحَام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة.
وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا.
وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم.
وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته فِي الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة فِي كل ما أمر الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار.
وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك.
و"يُفْسِدُونَ"عطف على الصّلة أيضاً، و"فِي الأَرْضِ"متعلق به.
والأظهر أن يراد به الفساد فِي الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم.
وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون فِي الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال:"أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ"كقوله: {وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 5] ، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر"الذِينَ يَنْقُضُونَ"إذا جعل مبتدأ.
وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا محل لها حينئذ، و"هم"زائدة، ويجوز أن يكون"هم"مبتدأ ثان، و"الخَاسِرُونَ"خبره، والثاني وخبره خبر الأول.
والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز.
والخسران: النقصان، كان فِي ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز]
إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ ... أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ
يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم.
قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته.