تلك هي سياسة الطاغوت حين يعمد إلى إشغال الجماعة المسلمة في معارك جانبية تُبعدها عن هدفها الأساسي الذي من أجله تتحرك وتجاهد، ويحاول عبر مناوراته ومؤامراته وضعها في دائرة الإتهام، لتعطيل قدرتها على إحداث التغيير المنشود. حينئذ يجب على الجماعة الإنتباه واليقظة من الفخ المنصوب على الطريق، بحيث تستطيع أن تتخطاه دون أن يؤثر ذلك على الخط العام
الذي تسير الجماعة عليه. وهكذا جمع موسى عليه السلام بين الردّ المُحكم على الشبهة المُثارة وبين التقدّم إلى الأمام. فماذا كان جواب موسى عليه السلام؟
قال موسى عليه السلام مجيبا له (مصدقا له في القتل ومكذبا فيما نسبه إليه من الكفر) :''فعلتها إذا وأنا من الضالين، ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين، وتلك نعمة تمنّها علي أن عبدت بني إسرائيل''، أي فعلتها (قبل أن يُوحى إلي ويُنعم الله علي بالرسالة والنبوه) ، أو (من الخاطئين لأنّه لم يتعمد قتله، أو من الذاهلين عمّا يؤول إليه الوكز لأنّه أراد به التأديب، أو النّاسين) من قوله تعالى:''أن تضل إحداهما''. (ففررت منكم إلى ربي لما خفتكم أن تصيبونني بمضرة وتؤاخذوني بما لا استحقه - بجنايتي - من العقاب، فوهب لى ربي حكما أي حكمة أو النبوة، وجعلني من المرسلين) .
(رد أولا على ما وبّخه به قدحا في نبوته، ثمّ كَرَّ على ما عد عليه من النّعمة، ولم يصرح برده لأنّه كان صدقا غير قادح في دعواه، بل نبَّه على أنّه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببا عنها، فقال:''وتلك نعمة تمنّها عليّ أن عبدت بني إسرائيل''، أي وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدهم بذبح أبنائهم، فإنّه السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك) .وهكذا يُجيب موسى عليه السلام بفطنة ونباهة دون أن تستفزه كلمات واتهامات فرعون، فلربما يُثار بعض المحاورين فيخرجون بسبب ذلك عن المنطق والمعقول.