و (لقد أجاب عليه الصلاة والسلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنّه لم يخرج عمّا كان بصدده من بيان شئونه تعالى، ثمّ تخلص إليه حيث قال بطريق الحكاية عن الله عز وجل:''الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى''، أي جعلها لكم كالمهد تتمهدونها أو ذات مهد، وجعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم، وسلك لكم فيها سبلا، أي حصل لكم طرقا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها، وأنزل من السماء ماء، فأخرجنا بذلك الماء أزواجا من نبات شتى، وذلك دلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنّه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن تنقاد لأمره وتذعن لمشيئته الأشياء المختلفة) .
الطاغوت يثير الشبهات وموسى عليه السلام يرد عليها ويدحضها
بعد أن صُدم فرعون بدعوة موسى وهارون عليهما السلام، وتفاجأ بقولهما:''إنّا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل''، راح يفتش عن شبهة يدحض بها ما به دمار عرشه وذهاب ملكه وبيان دجله وكذبه، فقال موجها الخطاب لموسى عليه السلام:''ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين''.قال ذلك على جهة المنّ عليه والإحتقار، أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلنا، ولبثت فينا من عمرك سنين فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ ثمّ قرره بقتل القبطي بقوله: وفعلت فعلتك التي فعلت، وبّخه بها معظما إياها بعدما عدد عليه نعمته، أي فِعلَتَك الفظيعة التي تعرف، والتي لا يليق الحديث عنها بألفاظ صريحة، فكيف تدعي مع علمنا أحوالك بأنّ الله أرسلك؟ وأنت من الكافرين بالنّعم المعتادين لغمطها، ومن اعتاد ذلك لا يكون مثل هذه الجناية بدعا منه، فعمدت إلى قتل خواصي، أو ممن تكفرهم الآن، فإنّه عليه الصلاة والسلام معصوم من الكفر وكان يعايشهم بالتقية، أو أنّه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم.