لقد كان المال بيد فرعون وسيلة لإضلال الناس عن سبيل الله، لأنّ إضلال النّاس شرط لبقائه في حكمه، (إما بالاغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين، وإمّا بالقوة التي يمنحها المال لإصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيد المفسدين لا شك يزعزع كثيرا من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أنّ هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنّها كذلك ليست شيئا ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة.) ، وهذا ما نفهمه من قول موسى عليه السلام:''ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك''. (وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس. ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها) .
والطاغوت وعبر وسائل مختلفة، وبين حين وآخر، يستعرض أمام الجماهير في حركة مقصودة ما يملكه من ثروة ومال، ليلفت انتباههم فيغريهم ويتمنون أن لو كان لهم مثله، فيبدأ بعض الضعفاء ممّن بهرهم زخرف الدنيا واستهوتهم العروض القريبة يتقربون منه لنيل رضاه مبهوتين، ليُنعم عليهم بعضا ممّا يملك، ولم يدُر في أذهانهم أنّ تلك الأموال إنّما جمعها من عرقهم وكدهم وتعبهم، فلولا حرمانهم لما جمع الطاغوت ما جمع!
وبالمال يشتري الطاغوت الذمم وبه يُغري ضعاف النّفوس، إذ لولا المال الذي يسيطر عليه فرعون لما تكلف السحرة مشاقّ السفر إلى القصور الفرعونية، ولما حرصوا كلّ الحرص على الفوز والانتصار، ولما كانوا أدواتٍ طيعة بيد فرعون. لقد فهم فرعون تلك النّفوس، وأدرك أهداف السحرة وغاياتهم، ولهذا أجابهم إلى مطلبهم، وزادهم عليه تحفيزا لهم في ساعة اشتدت الحاجة إليهم، فجعل - لعنه الله - يعدهم ويمنّيهم، وما يعدهم فرعون إلاّ غرورا. يقول تعالى:''وجاء السحرة فرعون قالوا إنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين، قال نعم وإنّكم لمن المقربين''.فالمصلحة بينهم متبادلة، والمال هو القاسم المشترك بين من يملكه وبين من يرغب في الحصول عليه. وتلك هي المعادلة التي