إنّ أي تغيير للأوضاع يعني تغييرا في الإمتيازات المكتسبة، ولهذا رفض فرعون معادلة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان لأنّها تهدم النّظام القائم، ودلّ على هذا شكل المواجهة التي اختارها بعد أن أقام موسى الحجة عليه، حيث قال:''ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد''.فالقتل هو الحل في دين فرعون ومنهجه، وهو الحل في كل نموذج تتكرر فيه شخصية فرعون.
من هنا نفهم لماذا يقف أصحاب الإمتيازات أمام الدّين الحق ويحاربونه؛ (لأنّه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنّما يقيمون ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته. وأقاموا أنفسهم أربابا من دون الله يُشرِّعون للناس ما يشاؤون، ويعبدون النّاس لما يشرعون! إنّهما منهجان لا يجتمعان، أو هما دينان لا يجتمعان .. وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون .. ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين) ؛ ذلك أنّ البوصلة التي تحدد اتجاه فرعون وخط سيره هي المحافظة على مكتسباته، فكل ما يصبُّ بهذا الإتجاه فهو مصان في نظام فرعون.
إنّ الطواغيت لديهم حساسية من أي مراقبة مالية، فهم يستأثرون بالثروة وبتوزيعها، ينتفضون بشراسة إن سُئلوا من أين لكم هذا؟ أو إن سُئلوا أين أنفقتم أموال الأمّة؟ فتلك أسئلة محرجة قد توقظ الجهلة والغافلين، ليسألوا عن حقوقهم، وذلك باب لا يريد الطاغوت له فتحا. فالطاغوت لا يقبل أن تُذاع على النّاس أخبار القصور وحياة الترف والبذخ التي يعيشها الطواغيت على حساب الشعوب وحرمانهم. وفي المقابل كان الطواغيت - وما زالوا - أعداءا للحرية والرأي، فهم لا يقبلون المشاركة في الحكم وسياسة الدولة؛ ذلك أن أي مشاركة تُنقص من جاههم المزعوم، وقد تؤدي إلى فضح ما لا يسمح الطاغوت بفضحه.
إنّ لنا في فرعون عبرة وعظة، ولقد حذرنا النبيّ صلى الله عليه وسلّم بقوله:''إنّ الدنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الدنيا''.
المبحث الثالث
فسق الأغلبية ومشاركة الفئات المستفيدة لفرعون ومساندتهم له