ومن الأدلّة على ثروته قوله تعالى حكاية لقول فرعون:''فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب''، والمعنى: فهلا ألقي على موسى إن كان صادقا أنه رسول رب العالمين أسورة من ذهب وهو جمع سوار، وهوما يلبس في اليد عادة، باعتبار أنّ هذا من علامات الزعامة والسيادة عندهم، ولم يكن فرعون يحتج بمثل هذا لولا كونه صاحب أسورة الذهب التي تدل على زعامته وسيادته.
وكيف لا يكون شرسا مجرما في الدفاع عن مصالحه المشبوهة وهو الذي يراها مقياسا في تقييم البشر، ودليلا ظاهرا في تمييز الأعلى من بين الناس، بل هي عنده دليل على كذب موسى عليه السلام، فلو كان نبيا كما يدعي لكان صاحب مال وثروة، ''فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب''.
إنّ فرعون ينفق ما يشاء ولمن يشاء، ويُسَخِّرُ النّاس لتنمية هذه الثروة وليس لهم إلا ما يجعلهم قادرين على الخدمة والعمل، وفي سبيل هذا أغرى قسما من النّاس وحرم الأغلبية ليكون المستفيدون عونا له على قمع العبيد والخدم إذا ما سولت لهم أنفسهم التمرد على النظام القائم.
إنّ العلاقة بين الحكم والملك ظاهرة جليّة، فمن يملك يحكم، لأنّه بسيطرته على المال يسيطر على عصب الحياة، ويجعل النّاس في حاجة إليه، فيبدأ النّاس بالتودد رياءا إلى السلطان كي يمنّ عليهم بشيء ممّا عنده، فيكون أكثرهم حظا أنفعهم في تثبيت النظام، فكلما كان الفرد قادرا ومواليا كان حظه من المال أكثر.
وفي المقابل فإنّ ازدياد السيطرة والتّحكم يؤدي إلى ازدياد القدرة على جمع الثروه ونهب خيرات الجماهير، والعجزة غير قادرين بحكم السيطرة والقوة على معاندة النظام. وهكذا دواليك، فكل زيادة في التّحكم تقابلها زيادة في السيطرة على المال والثروة، والعكس صحيح.
ومن أجل هذا النّمو المتبادل بين التّحكم والسيطرة على المال والثروة كان المنهج الذي يحقق تلك الزيادة المستمرة، وهو المنهج الذي يعكس شخصية فرعون ويميّزها؛ ذلك أنّ المحافظة على تلك المكتسبات هي التي شكلت المحور الأساسي الذي يدور حوله منهج فرعون، فانعكس هذا على
الوسائل المستخدمة في الدفاع عن الوضع والمنهج القائم، والذي من إفرازاته ونتائجه تميّز فرعون بتلك الميزات الخاصة.