حديث الرجل المؤمن)، وكل هذه الفروض تدل على القدرة الكبيرة التي يتمتع بها فرعون في المكر والاحتيال، فهو يظهر غير ما يبطن ببراعة وذكاء.
وحين أحس فرعون بالخطر الدّاهم على سلطانه شرع يمكر بكل ما يستطيع ويحتال، و''قال للملأ حوله: إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون''.فهو يوجّه الخطاب للملأ المستقرين حوله - فهم لا يغادرون السلطان، ويلتصقون به حفاظا على مصالحهم - إنّ هذا لساحر عليم، فائق في فنّ السحر، وفي قولة فرعون هذه يبدو إقراره بعظمة المعجزة وإن كان يسمّيها سحرا، فهو يصف ساحرها بأنّه ساحر عليم. ويبدو ذعره من تأثر القوم بها فهو يغريهم به بقوله - للملأ والجماهير من بعدهم - يريد أن يخرجكم قسرا من أرضكم التي نشأتم فيها وتوطنتموها بسحره، وفي هذا غاية التنفير عنه عليه السلام وابتغاء الغوائل له، إذ من أصعب الأشياء على النّفوس مفارقة الوطن لاسيما إذا كان ذلك قسرا، وهو السر في نسبة الإخراج والأرض إليهم، فأظهر لهم غير ما كتمه في نفسه من خوفه على عرشه وسلطانه.
والعجيب أنّ فرعون استعمل هذه الخديعة قبل بدء المباراة، تحريضا منه لحشد كلّ جهد مستطاع''قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحر مثله''.ورددها الملأ من بعده، يريدون الاحتيال على الجماهير، ''قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون''.وقالها السحرة بعد أن تنازعوا أمرهم بينهم قبل بدء المباراة:''قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما''.ثمّ يعود إليها فرعون بعد أن قُهر وغُلب يحتال بها على النّاس ويخدعهم، مُتَّهما السحرة بالإنضمام إلى المؤامرة بعد إعلانهم الإيمان، ''قال فرعون إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون''، وكأنّهم تواطؤا جميعا عليها بعد أن ابتدعها فرعون، لما لهذه الخديعة من أثر في النّفوس.