إنّ شخصية فرعون - على ضوء تلك المعاني التي أوردناها في التعريف - شخصية واهمة مغرورة يرى نفسه فوق النّاس، وأوضح دليل على وهمه وغروره ادعاؤه للألوهية والربوبية؛ ذلك أنّ تمام الصحة وسلامة البدن، وكثرة الجند ودعم القوم والآل ومؤازرة الملأ، وسعة الملك وطول المكث في الحكم والتحكم، مع ما أوتي من متاع الدنيا وزخرفها، وانتشار السحر والشعوذة وفساد التصورات السائدة والاساطير التي كانت سائدة في مصر من نسب الملوك للآلهة ... مع ما استقر في نفسه من الإعجاب المفرط بالذات والشهوة الجامحة في الحكم والتحكم والقابلية للإنحراف ... كلّ ذلك تهيأ لفرعون فطوّعت له نفسه قول كلمة الكفر. فالوهم والغرور جعل رؤيته للأحداث وتفسيره للظروف سببا في اجترائه على تلك الفرية. وكم من النّاس من غرّه إقبال الحياة عليه، وتوّهم دوام الحال.
وقد دلّ القرآن على وهم فرعون وغروره في أكثر من موضع، مع أنّ القرآن لم ينص على ذلك صراحة ولكنّه أمر يعرف بالنّظر في الكتاب العزيز. وشواهدنا على ذلك كثيرة: منهاقوله تعالى - حكاية لقول فرعون حين أعلن السحرة إيمانهم بموسى عليه السلام:''قال آمنتم به قبل أن آذن لكم''.وفي آية أخرى''قال آمنتم له قبل أن آذن لكم''.فمن وهمه وغروره ظنّ أنّ قلوب الناس بيده يملك حتى إيمانهم، بل ويصل به الوهم والغرور أن يبدي تعجبا وإنكارا وتوبيخا''آمنتم به قبل أن آذن لكم''، (أي صدقتموه قبل أن آذن لكم في الإيمان، فتعديتم وفعلتم ما لم آمركم به، وكان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم ولا تفتاتوا على ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإنّي أنا الحاكم المطاع) ، فأيّ وهم وغرور غرق به فرعون إلى درجة يتصور معها أنّه يملك قلوب النّاس!
وربّما تصور فرعون-نتيجة وهمه وغروره - أنّه بمجرد توجيهه هذا التوبيخ والإنكار المغلف بالتهديد والوعيد للسحرة أن يتراجعوا عن إيمانهم بل ويطلبوا منه العفو على ما فرط منهم، ولكنّهم