وهكذا سلك النّاس سلوك التخفي في ظلّ شخصية مستبدة، عقدتها وسرّ استبدادها يكمن في تصورها أنّها إله ورب! فنمى بسببها التخفي والحذر، وحيثما يوجد الاستبداد توجد الحركات السّريّة، تلك الحركات التي لم تجد لنفسها مكانا فوق الأرض فاختارت العمل من وراء الحجب، وأكثر ما يكون هذا في دعوات الحق التي يحملها الأنبياء وأتباعهم، فدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدأت سرا، وكلما تمّ التضييق علينا كلما ذهبنا نحو السريّة والتّخفي وسيلة منّا لاتقاء شرّ المستبد.
ومن شدة استبداد فرعون استنكاره على السحرة إيمانهم بدون إذن منه، ''آمنتم له قبل أن آذن لكم''، فالكلمة في عهد فرعون تحتاج إلى ترخيص وإذن من الحكومة! ومن العجيب أن يدور الزمان فيجتهد بعض المسلمين في الحصول على ترخيص لمجلة أو جريدة فلا تسمح لهم الحكومة.تشابهت أخلاقهم!
وبلغ الاستبداد في عهد فرعون أن سلك النّاس السريّة في صلاتهم، يقول تعالى:''وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءأ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة واقيموا الصلاة''، حيث
كان بنو إسرائيل لا يُصلُّون إلا في كنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخُرّبت كلها ومنعوا من الصلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بمصر بيوتا؛ أي صلّوا في بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون. فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، وكان من دينهم أنهم لا يصلّون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم، فلمّا خافوا على أنفسهم (أمروا أن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة) .