يقول تعالى:''واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصَّة''، أي (لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم بل يعمّه وغيره، كإقرار المنكر بين أظهرهم، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد) ، فالله سبحانه وتعالى يأخذ الظالمين وأتباعهم وأعوانهم والساكتين بغير عذر شرعي عن ظلمهم، يقول تعالى:''ومن أظلم ممّن كتم شهادة عنده من الله''، (لأنّهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها) .فإذا سكت الذين يعلمون فمتى يتعلَّم الجهلة؟! ومن هو الذي سيحمل الحقيقة إن لم يحملها العالمون بها؟ يقول تعالى:''إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون'' والكتمان (ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة إليه، وتحقق الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه) .
لقد أخذ الله فرعون وأخذ جنوده الذين شاركوه في ظلمه، يقول تعالى:''فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين''، فانظر كيف أخذ الله فرعون على ضخامة ظلمه مع الجنود على صغر ظلمهم بالمقارنة مع فرعون، لأنّ أدنى مساندة للظالمين تجعل صاحبها يستحق العقوبة نفسها، فالأتباع والمتبوعون في العقوبة سواء كما هو واضح في كثير من المواضع في القرآن؛ وذلك لأنّ الظالم لا يقوى على الظلم والعدوان وحده دون مُعين؛ فبقاء الظلم والعدوان مرتبط بالمساندين والراضين وحتى الساكتين بغير عذر شرعي، الذين يُشكلون البنية التحتية للظلم. يقول تعالى:''ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون''، و (الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به) ، فالرضا بالظلم من قبل النّاس يُجمّل وجهه القبيح، ويؤدي إلى أن يُصبح وجها مقبولا بدل أن يكون منبوذا ومحاربا، كما أنّه يُغري الظالم بالاستمرار في ظلمه، وربما يُغريه لتوسيع دائرة ظلمه، طالما هو وجه مقبول ومَرْضيٌّ عنه.
الظلم قلب للأوضاع