وبهذا ترتبط السورة ارتباطاً وثيقاً بما قبلها وخاصةً أيضاً أنهما سورتان مكيتان فموضوعهما واحد وهو إبراز وتأسيس وتقرير تلك العقيدة الإسلامية التي هي تصورٌ صحيحٌ عن الكون وما فيه وما حوله.
نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يجعل لنا النفع العظيم فيما سمعنا وقلنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، فاستغفروه دائماً إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فأوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عن عصيانه تعالى ومخالفة أمره، فهو القائل سبحانه وتعالى"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد ..
إخوة الإسلام عباد الله، كما أن سورة الشعراء السابقة كانت تركز على أن القرآن كلام الله، وتنزيلٌ من عند الله ليس افتراءً ولا كذباً ولا شعراً كما يقول الكفار، وليس قائله وحامله ومبلغه شاعراً وليس له في الشعر"وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ *لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ"، تأتي سورة النمل بعدها لتركز على جانبٍ مهم أقدس من جوانب العقيدة وهو جانب الاعتراف والإقرار بالله وبوحدانيته، هذا يعتبر أساساً.
ومن خلال السورة يشير الله تعالى إلى أن الطريق لمعرفة هذا هو العلم، العلم يوصِّلنا إلى إدراك وحدانية الله، وما أشرك المشركون شركائهم مع الله إلا لجهلهم، في لمحةٍ سريعة عبر السورة نجد الله تبارك وتعالى يقول"تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ"إلى أن يقول"وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ"فيمدح نفسه بالعلم سبحانه وتعالى.