وبهذا نلاحظ تناسب السورة مع ما قبلها أيضاً وارتباطها بما قبلها من سورة الشعراء، فإنها تُكمِّل ما ذكرته سورة الشعراء من قصص بعض الأنبياء، ففصلت هنا ذكر سيدنا سليمان عليه السلام، فكانت شبه تكملةٍ وتتمةٍ لها، فذُكر من شأن سليمان في سورة النمل ما لم يذكر في سورة الشعراء، والسورتان بُدأتا ببدايةٍ واحدة فهما من الطواسين؛ يعني السورة التي بدأت بطاء سين، حرف الطاء وحرف السين، وعرفنا أن هذه الحروف المقصود منها الإعجاز، أن الله يقول للكفار هذه حروف القرآن وهي نفسها حروف كلامكم فإن كان القرآن من عند محمدٍ أو يعلمه بشر أو يلقاه من ساحرٍ أو من جنٍ أو غير ذلك، فاصنعوا أنتم مثل القرآن، فهذه حروفه التي يتركب منها، وأنتم أقدر على ذلك من محمد البشر صلى الله عليه وسلم، ستأتون بخيرٍ مما أتى به إن كان هذا من عنده، فلم يستطيعوا أن يأتوا بشيء"فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ"،"فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ"،"فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ"، عجزوا عن كل ذلك"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا".
فلما ثبت عجزهم عن الإتيان ولو بسورة من مثل سور القرآن، دل عجزهم وهم البلغاء الفصحاء على أن هذا القرآن ليس من عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم افتراءً افتراه، ولا علماً تعلمه من بشر، ولا سحراً تلقاه من رأيٍّ من الجن ولا شيئاً من عند الخلق أبداً، إنما كما نطقت سورة الشعراء في أواخرها"وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"، وفي أوائل سورة النمل بعدها"طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ"إلى أن يقول الله تعالى بعد آياتٍ"وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ".