وهنا نجد فرعون يلقي التهم جزافاً وبشكل متتابع ليضعف موقف الخصم ويوهن من عزيمته ويزرع فيه الخوف ويجرئ عليه الآخرين، ويشكك في دعوته، ويوحي للسامعين أنه كذاب لا يؤبه له وأن له ماضياً أسود من قتل وإجرام يمنعه أن يكون داعية صالحاً:
"ألم نربك فينا وليداً؟!"
ولبثت فينا من عمرك سنين؟!
وفعلت فَعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين؟!""
وكانت معية الله تعالى تحرس موسى أن يضعف أو يهتز، فقال ينقض من هذه الاتهامات ما يستحق النقض والنوضيح:
"فعلتها إذاً وأنا من الضالين"فلم يكن كافراً كما يزعم فرعون، ولم يعبده لحظة من اللحظات، إنما كان تائهاً عن الحق يبحث عنه فوجده، والفرق بين الكافر والتائه كبير كبير:"ففررت منكم لما خفتكم"وهذا أكبر دليل على أنه كان منهم بعيداً، قد صنعه الله على عينه. فلما لا حقوه هرب منهم إلى بلاد الشام، وهناك أكرمه الله بالنبوة:
"فوهب لي ربي حكماً، وجعلني من المرسلين"
ثم رد على اتهام فرعون له بقتل القبطي بأسلوب الهجوم فالهجوم خير وسيلة للدفاع"وتلك نعمة تمنّها علي أن عبّدت بني إسرائيل؟!"وتدبّر معي أيها الأخ الكريم كلمة"عبَّدْتَ بني إسرائيل"تجدِ التجبّر والظلم الشديد وفرض الهيمنة العاتية.
لئن قتل موسى القبطي خطاً، وما كان يريد ذلك فاستغفر الله تعالى فغفر له إن فرعون كان يقتّل أبناء بني إسرائيل ويستبقي النساء لخدمته وخدمة قومه، واستعبدهم يفعل بهم ما يشاء دون رادع ... وانظر معي إلى التهويل في كيل الاتهام"وفعلت فعلتك التي فعلت"
والعجيب أن فرعون وهو القاتل بالجملة عمداً دون رحمة ولا رأفة يرى أن موت القبطي بضربة موسى ذنبٌ عظيم يلام فيه سيدنا موسى ويحاسب عليه! وهنا يحضرنا قول الشاعر:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"يرى أحدكم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه".
هذا دأب المجرمين في كل مكان وزمان، يرون لأنفسهم من الحق ما يحرّمونه على غيرهم ...