طرح موسى الكليم حجته الدامغة"وتلك منة تمنها عليّ أن عبّدْتَ بني إسرائيل"فأسكتت فرعون وألقمته حجراً، لقد قابل السخرية بسخرية أشد منها، فانطلق فرعون إلى سؤال آخر يحوّل فيه مسار الحوار، لكنني أراه قد حُصِر حين ألجأه موسى أن يسأل السؤال الذي ينبغي أن يصل إليه:"قال فرعون: وما رب العالمين؟!"فأجاب النبي الكريم الإجابة الشافية التي عصفت بفرعون فألجمته:"قال: رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين"فإذا كان الله تعالى ربَ السموات والأرض وما بينهما فما الذي بقي لفرعون؟ وازداد الجواب إحكاماً حين جاءت الفاصلة المحكمةُ"إن كنتم موقنين"لتدفع الحاضرين أن يوقنوا بذلك وكأنه يقول لهم: إن فكرتم التفكير الصحيح عرفتم الإله الحقيق، وهذا لا شك تعريض بفرعون الذي شعر بمقصد موسى فحرّض الغوغاء وإثارة النعرات والتهييج يستعديهم عليه"قال لمن حوله: ألا تستمعون؟"وهنا نبّه موسى الحاضرين إلى أن الله تعالى خلق آباءهم قبل أن يكون فرعون موجوداً وخلقهم كذلك كما خلق فرعونَ نفسه"قال: ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين: فما فرعون إلا واحد ممن خلقهم الله. وهنا يطيش صواب فرعون فيصف موسى عليه السلام بالجنون، ويصعّد الموقف:"
"قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون"فما الذي نستشف في هذه الآية مما يدل على غضبه الشديد؟
1 -بدأ بحرف التوكيد إن.
2 -استهزأ به حين ذكر إرساله إليهم"رسولكم الذي أرسل إليكم"وأراد إهانته، فهو يرفض أن يكون مرسلاً إليه وانتبهوا إلى كلمة"الذي"الدالة على الاستبعاد .. مع الفعل المبني للمجهول أُرسِل إليكم وهو بهذا ينكر الله تعالى.
3 -اللام المزحلقة زيادة في تأكيد غضبه وسخريته.
4 -وصرح باتهامه موسى بالجنون.
ونرى موسى عليه السلام يصعّد الموقف أيضاً بجوابه المفحم ليلجم غوغائية الحاضرين وليرد على السخرية بمثلها:"قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون"
1 -في الآية السابقة اخبرهم أن الله تعالى ربهم ورب آبائهم الأولين
وهنا زاد حين أكد أنه رب المشرق والمغرب وما بينهما.
2 -وكما صرح فرعون بجنون موسى صرح موسى عليه السلام أن