لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن ، وما تضمنته من توحيد الله ، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم ، وأحوال المؤمنين ، وأقيمت الحجج الدامغة للمعْرضين ، ختمت بأمر الله رسولَه عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شَفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته ؛ فبيّن لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمةً منه بهم لإصلاح حالهم وقطعاً لعذرهم فإذْ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب.
و {ما} من قوله: {ما يعبؤا بكم} نافية.
وتركيب: ما يعبأ به ، يدل على التحقير ، وضده عَبأ به يفيد الحفَاوة.
ومعنى {ما يعبأ} : ما يبالي وما يهتمّ ، وهو مضارع عَبَأ مثل: ملأ يَملأ مشتقّ من العِبء بكسر العين وهو الحِمل بكسر الحاء وسكون الميم ، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العِبء على العِدْل بكسر فسكون ، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة.
فأصل {ما يعبأ} : ما يحْمِل عِبئاً ، تمثيلاً بحالة المُتعَب من الشيء ، فصار المقصود: ما يهتمّ وما يكترث ، وهو كناية عن قلة العناية.
والباء فيه للسببية ، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام.
فالتقدير هنا: ما يعبأ بخطابكم.
والدعاء: الدعوة إلى شيء ، وهو هنا مضاف إلى مفعوله ، والفاعل يدل عليه {ربّي} أي لولا دعاؤه إياكم ، أي لولا أنه يدعوكم.
وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله: {فقد كذبتم} ، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام.
والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم.
وهذا كقوله تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا لِيَعْبُدون ما أُريد منهم مِن رزق وما أُريد أن يُطْعِمُون} [الذاريات: 56 ، 57] .