منها: أن الإنسان خُلق ممتازاً ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب ، انتج ذلك المزاج فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة ، وميَلاناً فطرياً إلى أن يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالإنسانية.. ثم لأجل تلك الميول احتاج الإنسان فِي تحصيل حاجاته فِي مأكله وملبسه ومسكنه إلى تلطيفها واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا ، فيتعاونوا ، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. لكن لما لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْبَرَكِ الجزء الاختياريّ - لا كالحيوانات التي حُددت قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لأنهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد - تحتاج الجماعة إلى العدالة فِي تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل أحد لايكفي فِي درك العدالة احتاج النوع إلى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل إلا قانون كليّ ، وما هو إلاّ
الشريعة.. ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقننِّ وصاحب ومبلّغ ومرجع ، وما هو إلا النبيّ عليه السلام.. ثم أن النبيّ لادامة حاكميته فِي الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج إلى امتياز وتفوق مادةً ومعنى ، سيرةً وصورة ، خَلْقاً وخُلُقاً. ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم ، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس اطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك فِي الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج إلى مذكِّر مكرر وعمل متجدد ، وما المذكِّر المكرر الا العبادة.