ومن ذلك أنعامه - عز وجل - بفتح باب في الدعاء والمسألة على العباد، واعتداده جل اسمه ذلك، عبادة منهم له، فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
وجعل سبباً بكلامهم من أهوال عظيمة وشداد حادثة، نحو إحاطة السبع الواحد والأشراف على المغرق في البحر من هبوب العواصف وتلاطم الأمواج وحدوث أمراض لم تجر للعادة في البر.
ومنها وغير ذلك من عوارض كثيرة جرت العادة بانكشاف البلية فيها بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، حتى أن كثيراً من الدهرية الذين لم يدعوا الله لأجل التي سمعوها من المسلمين، ولم يعترفوا لأجلها بالصانع عز وجل، آمنوا بالله تعالى وأقروا به لما رأوه من نجاة الذين أحاطت بهم الأمواج في لجج البحار، وصاروا إلى حال لا يتوهم معها لهم خلاص، ولا يعلم لسلامتهم سبب ولا احتيال إلا بدعائهم وابتهالهم وتضرعهم حتى لم يمسهم سوء، أو سلموا من عامة كانوا رصدوه من المكروه، وكانت السلامة لركاب البحر من هذا الوجه وبهذا السبب أغلب من التلف.
قالوا: فلولا أن الذي يعبدونه بدعائهم موجود كما يقولونه، وله الخلق والأمر كما يعتقدونه، لكان الذي لا يمكن ولا يجوز غيره أن يعطبوا ولا يتخلصوا، فصار ذلك سبباً لإيمانهم واعترافهم بما لم تلجئهم الدلائل العقلية المعتبرة، غير أن الجدل المهذبة من الشوائب كلها ساقت النظر إلى قبوله والاعتراف بصحته، ولهذا قال الله عز وجل: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} .
وقال: {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} .