ومنها سوق الفلك في البحر، قال الله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} .
وهذا لأن ماء البحر دائم.
فإذا لم تكن ريح فلا حركة للسفن، حتى إذا هاجت الريح كانت هي التي تحرك الفلك وتزيحها، ولن يكون هبوبها إلا بإذن الله، فهو الذي يسير الناس في البر والبحر، كما قال عز وجل.
ومن فوائد الرياح أن الله - عز وجل - كما جعلها كرامة لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - أحوج ما كان إليها، فقال - عز وجل - في كتابه: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} .
إلى آخر هذه الآية.
فكذلك جعلها من معجزات سليمان عليه السلام لأنه سخر له الريح، فكانت تغدو شهراً، وتروح شهراً.
ولم يذكر الله - عز وجل - في كتابه أنها تغدو وتروح.
فذكر في الأخبار أن الشياطين كانت أعدت له مدينة من قوارير، وأنه كان يدخلها بنسائه ومن يريد من قومه، ثم يأمر الريح أن تحملها، فتحملها حمل الرياح السحاب، فتغدو بها مسيرة شهر، وقيل أنه يحمل قوماً على ألواح وأمر الريح فحملتها وجاوزت بها البحر، ثم أنزلتها حيث أمرها به، فقاتلت قوماً من العدو وظفرت، ثم ركبت الألواح فرفعتها الريح وحملتها إلى أن عادت بها معهم إليه مظفرة منصورة.
وهذا الذي سبق اقتصاصه من جملة ما أنعم الله تعالى به على عباده في هيئة خلقهم، والمرافق التي جعلها لهم في أرضه وسمائه وما بينهما، ووراء هذا انعامه عليهم بأن خاطبهم وأمرهم ونهاهم، وجعل صلاحهم لذلك ثمرة للعقل والبيان الذي أعطاهم وميزهم بالتيسير بالعبادة عن البهائم، وألحقهم في ذلك بالملائكة، فعوضهم ذلك، يعلموا ما شرعه، فيستوصوا به ثناءه ومدحه وثناء الملائكة المقربين ومدحهم، ويستفيدوا به النعيم المقيم الذي لا ينتقص ولا يفنى ولا يبيد.
وقد يكون في هذا، أنه لما خلق لهم من الخيرات والبركات في الدنيا ما خلق.
يعيدهم ليقضوا بالعبادة حق هذه النعمة، فيعوضهم من شكر النعمة المنقضية الدائمة خلافاً لحال البهائم التي تصيب ما تصيب من رزقه بلا عبادة تحصل من جهتها، فينقضى أمرها بانقضاء أكلها، ولا يكون لها في نعيم الآخرة نصيب.