وقوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ . .} [المؤمنون: 103] لأنهم أخذوا لها القليل العاجل ، وفوَّتوا عليها الكثير الآجل ، وسارعوا إلى متعة فانية ، وتركوا متعة باقية ؛ لأن الدنيا أجلها محدود ؛ والزمن فيها مظنون ، والخير فيها على قَدْر إمكانات أهلها .
أما الآخرة فزمنها مُتيقّن ، وأجلها ممدود خالد ، والخير فيها على قَدْر إمكانات المنعِم عَزَّ وجَلَّ ، فلو قارنتَ هذا بذاك لتبيّن لك مدى ما خَسِروا ، لذلك تكون النتيجة أنهم {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] .
ثم يعطينا الحق سبحانه صورة تُبشِّع الجزاء في جهنم ، وتُصوِّر أهوالها ، وذلك رحمة بنا لنرتدع من قريب ، ونعمل جاهدين على أن ننجي أنفسنا من هذا المصير ، وننفر من هذه العاقبة البشعة ، كما يقول الشرع بداية: سنقطع يد السارق ، فهو لا يريد أن يقطع أيدي الناس ، إنما يريد أن يمنعهم ويحذرهم هذه العاقبة .
ومن ذلك قوله تعالى في مسألة القصاص: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب . .} [البقرة: 179] .
وقد هُوجم القِصَاص كثيراً من أعداء الإسلام ، إذ يقولون: يكفي أن قُتِل واحد من المجتمع ، فكيف نقتل الآخر؟ والقرآن لم يضع القصاص ليقتل الاثنين ، إنما وضعه ليمنع القتل ، وليستبقي القاتل والقتيل أحياء ، فحين يعرف القاتل أنه سيُقتل قصاصاً يمتنع ويرتدع ، فإن امتنع عن القتل فقد أحيينا القاتل والقتيل ، وقد عبَّروا عن هذا المعنى فقالوا: القتل أنفى للقتل .
يقول تعالى في تبشيع جهنم: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ . .} .