اللفْح: أن تمسَّ النار بحرارتها الشيء فتشويه ، ومثله النَّفْح {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] كلمة"كالح"نقولها حتى في العامية: فلان كالح الوجه . يعني تغيّر وجهه تغيُّراً ينكر لا تستريح له ، وضربوا للوجه الكالح مثلاً برأس الخروف المشوية التي غيَّرت النار ملامحها ، فأصبحت مُشوَّهة كالحة تلتصق الشَّفَة العليا بجبهته ، والسفلى بصدره ، فتظهر أسنانه في شكل منفر .
بعد ذلك يخاطبهم الحق سبحانه خطاباً يُلقي اللوم عليه ويُحملهم مسئولية ما وصلوا إليه ، فلم يعذبهم ربهم ابتداءً ، إنما عذبهم بعد أن أنذرهم ، وأرسل إليهم رسولاً يحمل منهجاً يبين ثواب الطائع وعقاب العاصي ، ونبَّههم إلى كل شيء ، ومع ذلك عصَوْا وكذَّبوا ، ولم يستأنفوا عملاً جديداً على وَفْق ما أمر الله . إذن: فهُم المقصرون .
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105)
يعني: أنتم السبب فيما أنتم فيه من العذاب ، فليس للناس على الله حجة بعد الرسل ، وليس لأحد عذر بعد البلاغ ، لذلك حينما يدخل أهل النار النارَ يخاطبهم ربهم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ . .} [الزمر: 71] .
فالآية تثبت أنهم هم المذنبون أمام نفوسهم: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] فلم نفاجئهم بعقوبة على شيء لم نُبصِّرهم به ، إنما أرسلنا إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم ويُبشِّرهم وينذرهم .
والإنذار بالشر قبل أن يقع نعمة من النعم ، كما قلنا في سورة الرحمن عن قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 35 - 36] وهل النار والشواظ نعمة؟ نعم نعمة ؛ لأننا نحذرك منها قبل وقوعها ، وأنت ما زِلْتَ في سعة الدنيا ، وأمامك فرصة الاستدراك .