إذن: هذه مسائل مرسومة ولها أصل ، يجب أن تُعلم لنردّ بها حين نسأل في أمور ديننا .
نعود إلى مسألة سؤال أهل المعصية ، حيث نفاه القرآن مرة وأثبته أخرى . ونقول: جاء القرآن بأسلوب العرب وطريقتهم ، والسؤال في الأسلوب العربي إما سؤال مِمَّنْ يجهل ويريد المعرفة ، كما يسأل التلميذ مُعلِّمه ، أو يسأل العالم الجاهل لا ليعلم منه ، ولكن ليقرره بما يريد .
فإذا نفى الله تعالى السؤال ، فلا تظنوا أنه يسألكم ليعرف منكم ، إنما يسألكم لتقروا ؛ لذلك قال سبحانه: {كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] .
إذن: إثبات السؤال له معنى ، ونَفْيه له معنى ، فإذا نفى فقد نفى سؤال العلم من جهتهم ، وإذا أثبت فقد أثبت سؤال الإقرار من جهتهم ؛ لتكون الحجة ألزم ؛ لأن الإقرار سيد الأدلة .
وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال: التلميذ المهمل الذي يتظاهر أمام أبيه بالمذاكرة ، فيفتح كتابه ويهزّ رأسه كأنه يقرأ ، فإذا ما سأله والده لم يجده حصَّل شيئاً ، فيقول له: ذاكرت وما ذاكرت .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] هكذا نَفْي وإثبات في آية واحدة لفاعل واحد ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ فعلاً حَفْنة من الحصى ورَمَى بها نحو الأعداء ، لكن هل في قدرته أن يُوصّل هذه الحفنة إلى أعين الأعداء جميعاً؟ فالعمل والرمي للرسول ، والنتيجة والغاية لله عز وجل .
ثم يقول الحق سبحانة: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . .} .
ثقُلَتْ وخفَّتْ هنا للحسنات . يعني: كانت حسناته كثيرة أو كانت قليلة .
ويمكن أن نقول: ثقلت موازينه بالسيئات يعني: كثُرَتْ الحسنات ، لكن القرآن تكلم من ناحية أن العمدة في الأمر الحسنات .