وإنْ كان نفع الأنساب يمتنع لهول الآخرة فقد يتسامى الإنسان فيمنع نفعه حتى في الدنيا عن ذوي قرابته إنْ كانوا غير مؤمنين ، وقد ضربها الله مثلاً في قصة نوح - عليه السلام - وولده ، وخاطبه ربه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ . .} [هود: 46] فامتنع النسب حتى في الدنيا ، فالنبوة ليست بُنوة الدم واللحم ، البنوة - خاصة عند الأنبياء - بنوة عمل واتباع .
وإذا تأملتَ تاريخ المسلمين الأوائل لوجدتهم يعتزُّون بالإسلام ، لا بالأنساب ، فالدين والعقيدة هما اللُّحمْة ، وهما الرابطة القوية التي تربط الإنسان بغيره ، وإنْ كان أدنى منه في مقاييس الحياة .
قرأنا في قصة بدر أن مصعب بن عمير - رضوان الله عليه - وكان فتى قريش المدلل ، وأغنى أغنيائها ، يلبس أفخر الثياب ويعيش ألين عيشة ، فلما أُشرِب قلبه الإيمان زهد في كل هذا النعيم ، وحُرِم من خير أهله ، ثم هاجر إلى المدينة ، وهناك رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس جلد شاة فقال:"انظروا ماذا فعل الإيمان بأخيكم".
وفي المعركة ، رأى مصعب أخاه أبا عزيز أسيراً في يد واحد من الأنصار هو الصحابي أبو اليَسَر فقال له مصعب: اشدد على أسيرك - يعني: إياك أن يفلت منك - فإن أُمَّه غنية ، وستفديه بمال كثير ، فنظر أو عزيز إلى مصعب وقال: أهذا وصاتك بأخيك؟ فقال: هذا أخي دونك .
إذن: فلا أنسابَ بينهم ، حتى في الدنيا قبل الآخرة .
وفي غزوة أحد استُشهد مصعب بن عمير ، ولم يجدوا ما يكفنونه فيه إلا ثوباً قَصيراً ، إنْ غطى رأسه انكشفتْ رِجْلاه ، وإنْ غطّى رِجْلَيْه انكشفت رأسه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"غطوا رأسه ، واجعلوا على رِجْلَيْه من الإذخر".