يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ {ارْكَعُوا} لِلَّهِ فِي صَلَاتِكُمْ {وَاسْجُدُوا} لَهُ فِيهَا. يَقُولُ: وَذِلُّوا لِرَبِّكُمْ، وَاخْضَعُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الَّذِي أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِفِعْلِهِ؛ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
يَقُولُ: لِتُفْلِحُوا بِذَلِكَ، فَتُدْرِكُوا بِهِ طَلِبَاتِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... (78) }
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَجَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ , فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أُمِرَ بِالْجِهَادِ؟ قَالَ: قَبِيلَتَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: مَخْزُومٌ , وَعَبْدُ شَمْسٍ فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالُوا: وَذَلِكَ هُوَ حَقُّ الْجِهَادِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: اعْمَلُوا بِالْحَقِّ حَقَّ عَمَلِهِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الْجِهَادِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: جَاهَدْتُ فِي اللَّهِ. وَحَقُّ الْجِهَادِ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقِةِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ}
يَقُولُ: هُوَ اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ، وَاصْطَفَاكُمْ لِحَرْبِ أَعْدَائِهِ , وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ:
قَالَ: «هُوَ هَدَاكُمْ»
وَقَوْلُهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}