أي: لو يعلمون ما يحدث لهم في هذا الوقت حين لا يستطيعون دَفْع النار عن وجوههم ، وذَكر الوجه بالذات لأنه أشرف أعضاء الإنسان وأكرمها ؛ لذلك إذا أصابك أذىً في وجهك تحرص على إزالته بيدك ، وأنت لم تفعل أكثر من أنك نقلْتَ الأذى من وجهك إلى يدك ، لماذا؟ لأن الوجه عزيز عليك ، لا تقبل إهانته ، ولا تتحمَّل عليه أيَّ سوء .
فقوله تعالى: {لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار ...} [الأنبياء: 39] دلاَلة على إهانتهم {وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ ...} [الأنبياء: 39] لأنها تأتيهم من كل مكان: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ . .} [الأنبياء: 39] أي: لا يجدون مَنْ ينقذهم ، أو يأخذ بأيديهم ويدفع عنهم .
حتى الشيطان الذي أغواهم في الدنيا سيتبرّأ منهم يوم القيامة ، ويقول: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] وأصرخه: أزال سبب صراخه ، والهمزة في أصرخه تسمى همزة إزالة ، تقول: صرخ فلان إذا وقع عليه ما هو فوق طاقته واحتماله ، فيصرخ صرخةً يستدعي بها مَنْ يغيثه ويُعينه ، فإنْ أجابه وأزال ما هو فيه فقد أصرخه ، يعني: أزال سبب صراخه . فالمعنى: لا أدافع عنكم ، ولا تدافعون عني ، ولا أنقذكم من العذاب ، ولاتنقذونني .
وفي موضع آخر: {كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بريء مِّنكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين} [الحشر: 16] فحظُّ الشيطان أنْ يُوقِعك في المعصية ، ثم يتبرأ منك .
فما جواب (لو) هنا؟ المعنى: لو يعلم الذين كفروا الوقت الذي لا يكفُّون فيه النار عن وجوههم ، ولا عن ظهورهم ولا يُنصرون لكفّوا عما يُؤدِّي بهم إلى ذلك ، وانتهَوْت عن أسبابه .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ...} .