إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علماً تجريبياً كذلك. إنما هو منهج للحياة كلها. منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده. ولتقويم المجتمع ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق. دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة. فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه.
وقد يشير القرآن أحياناً إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقررها هنا: {أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن. وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض. أو فتق السماوات عن الأرض. ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن. ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية ، ولا نطلب تصديقاً للقرآن في نظريات البشر. وهو حقيقة مستيقنة! وقصارى ما يقال: إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال!
فأما شطر الآية الثاني: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} فيقرر كذلك حقيقة خطيرة. يعد العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً. ويمجدون"دارون"لاهتدائه إليها! وتقريره أن الماء هو مهد الحياة الأول.
وهي حقيقة تثير الانتباه حقاً. وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن. فنحن نستمد الاعتقاد بصدقه المطلق في كل ما يقرره من إيماننا بأنه من عند الله. لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له. وأقصى ما يقال هنا كذلك: إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات.
ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجه أنظار الكفار إلى عجائب صنع الله في الكون ، ويستنكر ألا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود: {أفلا يؤمنون؟} وكل ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبر الحكيم؟