ما يناسب قول الشعراء هذا يشعر أن مرادهم بأنه كلام شعري إن هذا كلام بعض
الشعراء فحِينَئِذٍ قولهم له عَلَيْهِ السَّلَامُ إنه شاعر إنه تكلم بكلام شاعر فيكون شاعرًا فيندفع
البحت الْمَذْكُور تأمل.
قوله: (ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلًا لأقوالهم في درج الفساد) ويجوز أن
يكون الكل الظَّاهر أن كون الكل من اللَّه تَعَالَى بتقدير الْقَوْل في فوق بل الأخيرين وهو
الذي أشار إليه بقوله تنزيلًا لأقوالهم بالجمع وهو تكلف ولذا أخَّره وضعفه ولم يقل ترقيًا
مع أنه الظَّاهر للتنبيه عَلَى أن الترقي في القبح تنزل مرتبة.
قوله: (لأن كونه شعرًا أبعد من كونه مفترى) فإذا كان ذلك أبعد فقوله أبعد.
قوله:(لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه
أحلامًا لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف
الأحلام)لأنه أي الْقُرْآن مشحون. قال المصنف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ)
لأن نظمه ليس بموزون ولا معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة
والمنفرة انتهى. وأما قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إن من الشعر لحكمة"فلا ينافيه لأنه بعض المشعر
الذي يتضمن الدفائق والحقائق مع وجازة اللَّفْظ وحسن انتظامه كما يدل عليه من التبعيضية
والشعر الذي زعموا أن الْقُرْآن من جنسه ما قاله المصنف بقرينة أنهم في صدد يردهم، فلا وجه
للاعتراض بأن مبنى هذا الْكَلَام عَلَى أن يكون بين الشعر والْحكْمَة بون بعيد الخ. وليت
شعري ماذا يقول هذا المعترض في قَوْله تَعَالَى: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ) الخ.
فما هُوَ جوابه فهو جوابنا قال تَعَالَى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) الآية.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: ويجوز أن يكون الكل تنزيلًا لأقوالهم في درج الفساد الخ. والحاصل أن كون الْقُرْآن
شعرًا أبعد من كونه مفترى لأن الشعر متخيلات ملفقة يدعو إلَى الهوى والشَّيْطَان والْقُرْآن كلمات
فرقانية يدعو إلَى الهدى وطاعة الرحمن (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69)
لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) . وكونه مفترى أبعد من كونه
أحلامًا لأن المفتري مبطل في كلامه والْقُرْآن (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) . وكونه أحلامًا أبعد من كونه سحرًا لأن تشبيه النظم المعجز الفائق
بالسحر أقرب من تشبيهه بأضغاث أحلام كما قيل"إن من البيان سحرًا"لكن أين هذا من تخاليط
الأحلام إنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) وتشبيهه بالسحر
أَيْضًا فاسد لأن الْقُرْآن حق والسحر باطل وكَيْفَ يشبه هذا بالسحر(أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا
تُبْصِرُونَ)وهذا هُوَ معنى تنزيلًا أقوال هم في درج الفساد فإن قولهم الثاني أفسد من
الأول والثالث أفسد من الثاني وكذا الرابع أفسد من الثالث فالإضراب بكلمة بل في المواضع
الثلاثة لأجل التفاوت في مراتب البعد والفساد.