فأحال على معهود الأنبياء والوحي كما قال:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)وكذلك في سورة يوسف - عليه السلام - .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ...(39) . اللام: لام أمر كون؛ أي: إنَّا سنأمر
اليم أن يلقيه بالساحل حيث يناله آل فرعون (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)
أي: لتُربى وتلاطف في حجر عدوك يسلمك بذلك من الذبح، ثم عطف على
ذلك بالواو في قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) أي: على رضا مني فتذكر
اسمي على إطعامك وسقيك ونومك وإرضاعك وتناولك، وسلك بك سبيل
مرضاتي في جميع شأنك، رددناك إلى أمك وعلى إرادة امرأة فرعون فيك وإرادة
أمك.
علق هذا كله بقوله:(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ
فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ)وذِكر العين هنا يشير إلى
المحبة منه له، ولا تكون هذه العبارة إلا لولي ومحبوب، وإلا فالكفار أيضًا
يصنعون على مرأى منه، ومثل هذا قوله في قصص السفينة، وكيف نجا فيها
نوحًا ومن معه برحمة منه، فقال: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)
أي: بأوليائنا وبحفظنا كما يقال: فلان عين الملك بموضع.
كذا قوله تعالى فيما حكاه من قول فرعون: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى(49) قَالَ
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) . كقوله:(الَّذِي أَحْسَنَ
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) خلق
الجميع على فطرة الإسلام، وأتم خلقته على ما أراده، ثم هداه إلى ما فطره عليه إلى
أن أضله أبواه والشَّيَاطِين والكافلون والخليط.
(قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى(51) . سؤال فرعون هذا يدل على محذوف
كان موسى - عليه السَّلام - أجرى في المحاورة أن الله يبعث الموتى ليجزيهم بأعمالهم، فقال
فرعون: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) أي: إن كان حقا ما تقول فلِمَ لم