إلى رسالته وأهله إلى أن يكون سفيرًا بينه وبين عباده لا يوصف بأنه يخاف غير الله،
وإنما خافا أن يعاجلهما قبل التبليغ ألا تسمعه يقول قبل هذا، لما أعلمه بأنه
مرسله سأله أن ييسره لذلك، وأن يعينه على ما أمره، فقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(25)
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ
أَهْلِي (29) .
قال المفسرون أن عقدة لسانه هذه كانت لأجل جمرة جعلها في فيه، لقصة
ذكروها كانت بين فرعون وامرأته في شأن موسى - عليه السلام - امتحناه بها، والصحيح -
والله أعلم بما ينزل أنه كان رجلاً عبرانيا في مجاورة القبط، رُبِّيَ في
حجورهم، فكان ظاهر لسانه لغة القبط، ثم تغرب إلى أرض مدين، وجاور
العرب فتعرب من أجل ذلك مدة سنين كان فيما هنالك.
قال الله - عزَّ من قائل: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) . فكانت لأجل
ذلك لكنة في لسانه؛ أي: لم يكن فصيحًا في لسانهم كأخيه هارون -
عليهما السلام - لأنه لم يتقرب منهم؛ لذلك قال - عليه السَّلام -:(هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا
فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)وقال الله - عز وجل -:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ
إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
ولما أكمل سؤاله من مراده قال الله - جلَّ جلالُه -: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى(36)
ثُمَّ قال - عز من قائل: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى(37) . سمى -
جل ذكره - ما وهبه في الأولى وفي الثانية مَنًّا؛ إذ لم يكن ما أتاه من النبوة والرسالة
والكرامة عنده والجاه جزاء لعمل وبأي عمل يستوجب استئهال ذلك.
ثم جعل يعدد عليه مننه في الأولى بقوله: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38)
فجعل يعدد عليه حفظه له حال غيبته عن علم ذلك منه، ودلَّ بذلك على
أن وجه إلى أم موسى كان وحيًا كاملاً رؤيا أو غير ذلك، أوحى إلى قلبها العزم في
ذلك أنه الحق، والأوجه أنه الوحي المعهود لقوله: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38)