قال القرطبي: وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون {أخفيها} بضم الألف معناه: أظهرها ؛ لأنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار.
قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد.
قال النحاس: وهذا حسن ، وقد أنشد الفراء وسيبويه ما يدل على أن معنى أخفاه أظهر ، وذلك قول امرئ القيس:
فإن تكتموا الداء لا نخفه... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
أي: وإن تكتموا الداء لا نظهره.
وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم النون من نخفه ، وقال: امرؤ القيس:
خفاهن من أنفاقهن كأنما... خفاهن ودق من عشيّ مُجَلَّب
أي أظهرهن.
وقد زيف النحاس هذا القول وقال: ليس المعنى على أظهرها ، ولا سيما و"أخفيها"قراءة شاذة ، فكيف تردّ القراءة الصحيحة الشائعة.
وقال ابن الأنباري: في الآية تفسير آخر ، وهو أن الكلام ينقطع على: {أكاد} وبعده مضمر ، أي أكاد آتي بها ، ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ، ومثله قول عمير بن ضابئ البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله
أي وكدت أفعل.
واختار هذا النحاس.
وقال أبو عليّ الفارسي: هو من باب السلب وليس من الأضداد ، ومعنى أخفيها: أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها ، ومن هذا قولهم: أشكيته ، أي أزلت شكواه.
وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة للتأكيد ، قال: ومثله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] ، ومثله قول الشاعر:
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه... فما أن يكاد قرنه يتنفس
قال: والمعنى: أكاد أخفيها ؛ أي أقارب ذلك ، لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم ، جاز أن يكون قام وأن يكون لم يقم ، ودلّ على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا.
وقوله: {لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} متعلق بآتية ، أو بأخفيها ، و"ما"مصدرية ، أي لتجزى كل نفس بسعيها.