قال: ما تصنع بها؟ - ولا أحد أعلم منه بذلك - قال موسى: {أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} قد علمتها ، وكان لموسى في العصا مآرب ، كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين ، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين ، وكان يتوكأ عليها ويهش بها ، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه ، فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه ، وزاداً إن كان معه ، وكان إذا ارتع في البرية حيث لا ظل له ركزها ، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها ، وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعاً ، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها ، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. قال له الرب {ألقها يا موسى} فظن موسى أنه يقول: ارفضها. فألقاها على وجه الرفض ، ثم حانت منه نظرة ، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى! يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد أخذه ، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها ، عينان توقدان ناراً ، وقد عاد المحجن عرقاً فيه شعر مثل النيازك ، وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف ، فلما عاين ذلك موسى {ولى مدبراً ولم يعقب} [النمل: 10] فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم {نودي يا موسى} أن ارجع حيث كنت ، فرجع وهو شديد الخوف فقال: خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى. قال: وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها في يده ، فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر؟ أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً قال: لا. ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية ، ثم سمع حس الأضراس والأنياب ، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها ، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا تؤكأ بين الشعبتين. قال له ربه:"ادن". فلم يزل يدنيه - حتى شد ظهره بجذع الشجرة. فاستقر وذهبت عنه