قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى، فنفى الله ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، الله إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه، عوج بالكسر والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت.
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)
اللام في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ...} هي الموطئة للقسم، والمعهود محذوف، وهو النهي عن الأكل من شجرة معينة، كما وضحه في آيات أخرى منها قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} أي: والله لقد عهدنا إلى آدم - عليه السلام - وأوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة {مِن قَبْلُ} أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها، أو من قبل أن نخبرك بذلك - أيها الرسول الكريم - .
والفاء في قوله {فَنَسِيَ} للتعقيب، والمفعول محذوف. أي: فنسى العهد الذي أخذناه عليه بعدم الأكل منها.
والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك، وقد ورد النسيان بمعنى الترك في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا} أي: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة.
وعليه يكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة فترك الوفاء بعهدنا وخالف ما أمرناه به.
وعلى هذا التفسير فلا إشكال في وصف الله تعالى له بقوله: {آدَمُ رَبَّهُ فغوى} لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله تعالى عنه وهو الأكل من الشجرة - صار عاصيا لأمر ربه.
ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته، أي: أنه ضد التذكر فيكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ما عاهدناه عليه، وغاب عن ذهنه ما نهيناه عنه، وهو الأكل من الشجرة.