ثم قالت تعالى ذكره: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} . أي: وكثيراً يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثاً ورِئْيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.
قال ابن عباس:"الأثاث": المتاع ."والرئي: المنظر."
أي: أحسن متاعاً وأحسن مرئى ومنظراً من هؤلاء فأهلك الله أموالهم ،
وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد:"الأثاث: المتاع و"الرئي": المنظر."
وقال معمر: أحسن أثاثاً: أحسن صوراً . ورئياً: أموالاً.
وروي عن ابن عباس:"أحسن أثاثاً وزياً"بالزاي.
وقرأ طلحة"ورياً"خفيفة الياء من غير همز.
ومن شدد الياء ، جعله من رأيت ، ولكن خفف الهمزة ، فأبدل وأدغم . ويجوز أن يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضاً منظراً ، لأن العرب تقول: ما أحسن روية فلان في هذا الأمر ؟ . . إذا كان حسن النظر فيه ، والمعرفة به.
ويجوز أن يكون من ري الشارب . فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة .
وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر.
ومن همز جعله من رؤية العين.
"والأثاث"جمع واحدة أثاثه كالحمام والسحاب . هذا مذهب الأخفش.
وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع.
ثم قال تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} .
أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً من كان من ومنكم في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً . فهو لفظأ مر ، ومعناه الخير . جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن يطول فيها ، ويمد له كما قال تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] . لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر ، كأن المتكلم يلزمه نفسه ، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به ، فهو أبلغ.
فلذلك أتى به على الخبر.
ومعناه: فليعش ما شاء ، وليوسع لنفسه في العمر ، فإن مصيره إلى الموت والعذاب .