قال الباقلاني: فقد سهل الله سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة. وجعله قريبًا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
وهو مع ذلك ممتنعُ المطلب، عسيرُ المتناول، غير مُطمِع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوّه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به.
فأمّا الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع، أو يوضع فيه الإعجاز.
ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف - لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر، أو يعيب ويقرع، ولكنه أوضح مناره، وقرّب منهاجه، وسهّل سبيله، وجعله في ذلك متشابهًا متماثلًا، وبين مع ذلك إعجازهم فيه.
وقد علمت أن كلام فصحائهم، وشِعْرَ بُلغائهم لا ينفكّ من تصرفٍ في غريب مستنكر، أو وحشي مستكره، ومعانٍ مستبعدة. ثم عدولهم إلى كلامٍ مبتذلٍ وضيعٍ لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرّف بين المنزلتين. فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس: قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل.
الوجه السابع عشر: الإعجاز النفسي.
قال القاضي عياض: مشيرًا إلى تأثير القرآن في النفوس وهو يَعُدُّ وجوه الإعجاز، ومنها: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيئة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله، وإنافة خَطَره، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفورًا، كما قال تعالى، ويودّون انقطاعه لكراهتهم له،. . .، وأمّا المؤمن فلا تزال روعته به، وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابًا، وتكسبه هشاشةً لميل قلبه إليه، وتصديقه به).
وقد مات جماعةٌ عند سماع آيات منه أُفرِدُوا بالتصنيف (3)