قال السيوطي: وقد قلت في إعجاز القرآن وجهًا ذهب عنه الناس؛ وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] ، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ} [الزمر: 23] .
فمن أمثلة التأثير المفضي إلى الإيمان ما أخرجه البخاري من حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ
هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
الوجه الثامن عشر: إعجاز القرآن في كثرة علومه ومعارفه.
قال السيوطي: فهذه ثمانون نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة، وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة وقفتُ على كثير منها.
قال الزركشي: واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله؛ فإنَّ الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير! (3)
وقد احتوى على علوم أخرى من علوم الأوائل مثل: الطبّ، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك: