فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة للمادح، وأقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسيرَ على الألسن واذكرَ، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدرَ. وإن كان ذمًا كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمه ألذَع، ووقعه أشدَّ، وحدُّه أحدَّ. وإن كان حجاجًا كان برهانه أنورَ، وسلطانه أقهرَ، وبيانه أبهَر. وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعدَ، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدَّ. وإن كان اعتذارًا كان إلى القلوب أقربَ، وللقلوب أخلبَ، وللسخائم اسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عُقَد العقود أنفثَ، وعلى حسن الرجوع أبعثَ. وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يَجْلي الغياية، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل. . . وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه.
الوجه الخامس عشر: الإعجاز في التكرار. سواء تكرار العبارات أو الكلمات:
ففي كتاب: أسرار التكرار في القرآن لابن نصر الكرماني، ذكر أمثلة كثيرة في القرآن، ووضح الهدف من هذا التكرار، وأبان بأنه لا يُخل بالمعنى؛ بل يُعد صورةً جديدةً من إعجاز القرآن.
فمثال ذلك: قال الكرماني في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} [البقرة: 62] ، وقال في (الحج: 17) : {وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى} ، وقال في (المائدة: 69) {وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} ؛ لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة، والصابئون مقدَّمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج، وراعى في المائدة بين المعنيين فقدّمهم في اللفظ، وأخّرهم في التقدير؛ لأن تقديره والصابئون في كذلك، قال الشاعر:
فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب (1)
الوجه السادس عشر: الإعجاز في تيسير الله القرآن للذكر
فمن إعجاز القرآن أن قارئه لا يملّه، وسامعه لا يمجّه؛ بل الإكباب على تلاوته يُزيده.
قلت: وسبب ذلك تيسيرُ الله القرآنَ للذّكرِ.