وَكَقَوْلِهِ:"مُسَعِّرُ حَرْبٍ" (2) وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ النَّفْيَ بِصِيغَةِ الاِسْتِفْهَامِ المُضَمَّنِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ هُوَ نَفْيٌ مُضَمَّنٌ دَلِيلَ النَّفْيِ؛ فَلَا يُمْكِنُ مُقَابَلَتُهُ بِمَنعٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْفِي بِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ إلَّا مَا ظَهَرَ بَيَانُهُ أَوْ اُدُّعِيَ ظُهُورُ بَيَانِهِ، فَيَكُونُ ضَارِبُهُ إمَّا كَامِلًا فِي اسْتِدْلَالِهِ وَقِيَاسِهِ، وَإِمَّا جَاهِلًا كَالَّذِي قَالَ: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] .
الحكمة من ذكر الأمثال في القرآن:
ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات إلى أن بلغت الألف؛ لأن في التمثيل سرًا لطيفًا وحكمة عالية؛ إذ به يصير الوهم مغلوبًا للعقل، والخيال مجبورًا للانقياد للفكر، وبه
يتحول الغائب حاضرًا، والمعقول محسوسًا، والمعنى مجسمًا، وبه يجعل المتفرق مجموعًا، والمختلط ممتزجًا، والمختلف متّحدًا، والمنقطع متصلًا، والأعزل مسلّحًا.
قال الجرجاني: اعلم أن مما اتفق العقلاء عليه: أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبةً، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبةً وشغفًا.